الجمعة، 12 فبراير، 2010

أشياء تعرفني أكثر

أشياء تعرفني أكثر



أعرف أنك لا تجيبين حين أسأل: أين هي روحك الآن؟
و أني لن أستطيع أن أسد طريقها و أنك تتسربين من بين يدي ببراعة قاتلة.
اتركي قلبي يا "ياسمين"؛
أنت تشدينه بعشوائية طفولية و في مرحٍ ما.. أعلم أنك لن تخلعيه بعاميك البريئين .. بل ستخور قواك و تنزعجين و تضربين الأرض بقدميك، ثم تتركينه باحثة عن منجم آخر للعب.
لكنه يؤلمني يا صغيرة!
إلى أين وصلت روحك؟

برودة جبهتك لسعت شفتي.. المدفأة تكاد تلتصق بك و بي.. و بطانيتك الوردية الصغيرة تشبه البالونات التي أحضرتها لك اليوم، لكنها لا تدفئك!
عيناك اليوم قد سبقتاك إلى الله، كأشياء كثيرة فيك..
حدثتني أمك أنك منذ الفجر لم تسقطي قطرة واحدة في القسطرة.. أين تخبئين تلك المحاليل العابرة إليك يا شقية؟؟
أعرف أنهما –كليتيك- أيضًا هناك.. أفكر في حاجة دمك الآنية للتخلص من اليوريا و الأملاح و بقايا عمليات الأيض.. و أنه دوّار داخلك منذ الأمس على حالته المهددة لعقلك ربما.. و أن كثيرا من محتواه سامٌ لدماغك النائم.. وخلاياه التي كانت آخذة في التكوين.
هل هو دوّارٌ بالفعل؟!!
لماذا إذن يترك جبهتك بهذه البرودة في الصيف؟

يدي أيضا لا تنجح في إثبات نظرية التبادل الحراري مع وجهك.. صدقيني، لقد قربتها من المدفأة حتى احترقت، و احمرت من التورم، أو تورمت من الاحمرار.. و لما وضعتها على رأسك هدأ سعيرها كثيرا و بدأت تبرد..
لكن رأسك لا يتأثر!

حدقتاك متسعتان تماما كنافذتين صغيرتين إلى الموت معلقتين بقلبي.
السماعة تنقل لي نداءات قلبك المنهك.. لماذا إذن حدقتاك غير متساويتي الاتساع؟
منذ أمس و أنت لا تتنفسين وحدك، و في سلبية تامة تستقبلين الهواء المسدد إلى رئتيك عبر الأمبو.. لن أستطيع المحافظة على انتظام ضغطاتي يا ياسمين.. كفي عن هذا الدلع و انهضي..
من أجلي انهضي

أعرف أني لا أصل إليك سوى عبر كل تلك الثقوب و الأنابيب التي تؤدي إلى كل شيء فيك، و أن وصولي مشوه بالضرورة كما يحدث دائمًا مع صحابي من الأطفال حين أرتدي الأبيض! سأخلعه يا صغيرتي فور حركة منكِ.. صدقيني

لا أعلم إن كنت آلمتك أو أغضبتك عندما دققت بمطرقتي أسفل ركبتك و فوق كاحلك.. ربما لم تشعري بشيء كما لم يستجب عقلك النائم أيضًا لشيء و لم تشعر الأعصاب عندما عنفتها لتجيب.. و لم أشعر أنا سوى باختناقي.
نسيت أيضًا أن حدقتك الأوسع ستلتهم الضوء الذي سلطته بعنف عبر بطاريتي و أن هذا الضوء القوي على أقل تقدير سيؤلم فيك الكثير.. و نسيت أيضًا أن أخرج رمشك الصغير الذي خبأتِهِ في عينك اليمنى. الحق أني حاولت إخراجه بتدليك جفنك العلوي للخارج لكني خفت من أظفاري و من حركة مفاجئة تفعلينها و تستيقظين..
كما أن أصابعي كانت تسكن شعرك منذ نصف ساعة و تغطي به جبهتك قدر ما يمنحه طوله؛ عله يدفئها.

أين هي روحك الآن؟
أشعر بالضآلة أمام حدقتيك المتسعتينِ... الموت يتسلل إليهما
لكنني أكابر كقبلك النابض بالهزال منذ وصلتِ إلى هنا ..

داخل عينيك تتجمع مادة بيضاء هلامية متقطعة صغيرة، أحرك جفنك لأمسحها به.. أخاف على عينيك من يدي غير المعقمة بعد اللعب في شعرك.. أمك تسألني عن هذا البياض المتجمع و هذه العتمة المنطفئة التي تكسو لون عينك..
و أنا أسألك أن تكفي عن كل هذا!

المحلول الثاني قارب على الانتهاء و القسطرة لا زالت معقمة فارغة سوى من واقع وشيك.
قلبك آخذ في الوهن.. أعد دقاته كثيرا .. منذ الأمس و هو ينبض بمعدل ما لكن قوته في سَفَرٍ تدريجي للسكون.
أمك تسألني باستمرار عن عدد الدقات.. و أنا أسأله باستمرار عن وجوده الفعلي بعيدا عن الأدرينالين و محلول الدوبامين اللذين حقن بهما مرتين؛ عندما توقف مرتين..
أقبل جبينك لمرة وحيدة أعرف أنها أخيرة فأشم منك رائحة الموت! لم أكن أعلم أن للموت رائحة
أعود بالنظر لإصبع قدمك البنفسجي.. أعرف أنه ... ! لكنني أقنعتني أنها كدمة الإليكترود الموصل بجهاز رسم القلب لا أكثر. أقترب منه، فأتأكد أنها بداية الغرغرينا.. و تمسكني رائحته التي تشبه رائحة كلك الآن..

هل كنت معي منذ البداية؟
أ قلبك الذي كنت أسمع دقاته تماما؟؟ أم أنك رحلتِ منذ توقف نبضك على باب المستشفى أول مرة –قبل أن أعرفك- و تركتِني أتوهم وجودك الأدريناليني؟

لماذا التقينا و لم نكن يا صغيرة؟؟
لماذا عبرتِ يومي لتخدشي به ما تبقى من العمر؟
أعرف أن أمك لن تأخذ البالونات.. و أني سآتي غدا –إن أتيتُ- و لن أجدها.. و أني سأقتنع تماما أنك أخذتها لتنتقي صاحبة أخرى أحدث سنًّا و براءة تجيد اللعب أكثر مني..

"ياسمين"،
نسيت أن أشكرك لأخذك البالونات.. و لتخفيف احتقان يدي بالحرارة.. و لأشياء عديدة لم تكن.
ياسمين قالت لي أشياء كثيرة..
و لأني أحبكَ لم أفهمها. !

0 التعليقات: